الشوكاني
136
فتح القدير
قوله ( كل من عليها فان ) أي كل من على الأرض من الحيوانات هالك ، وغلب العقلاء على غيرهم فعبر عن الجميع بلفظ من ، وقيل أراد من عليها من الجن والإنس ( ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده ، وقد تقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا ، وقيل : معنى ( يبقى وجه ربك ) تبقى حجته التي يتقرب بها إليه ، والجلال : العظمة والكبرياء ، واستحقاق صفات المدح ، يقال جل الشئ : أي عظم ، وأجللته : أي أعظمته ، وهو اسم من جل . ومعنى ذو الإكرام : أنه يكرم عن كل شئ لا يليق به ، وقيل إنه ذو الإكرام لأوليائه ، والخطاب في قوله ربك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو لكل من يصلح له . قرأ الجمهور " ذو الجلال " على أنه صفة لوجه ، وقرأ أبي وابن مسعود : ذي الجلال على أنه صفة لرب ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب . وقال مقاتل : وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت ، ومع الموت تستوي الأقدام ( يسأله من في السماوات والأرض ) أي يسألونه جميعا لأنهم محتاجون إليه لا يستغني عنه أحد منهم . قال أبو صالح : يسأله أهل السماوات المغفرة ولا يسألونه الرزق ، وأهل الأرض يسألونه الأمرين جميعا . وقال مقاتل : يسأله أهل الأرض الرزق والمغفرة وتسأل لهم الملائكة أيضا الرزق والمغفرة ، وكذا قال ابن جريج . وقيل يسألونه الرحمة . قال قتادة : لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض . والحاصل أنه يسأله كل مخلوق من مخلوقاته بلسان المقال أو لسان الحال ما يطلبونه من خيري الدارين أو من خير إحداهما ( كل يوم هو في شأن ) انتصاب كل بالاستقرار الذي تضمنه الخبر ، والتقدير : استقر سبحانه في شأن كل وقت من الأوقات ، واليوم عبارة عن الوقت ، والشأن هو الأمر ، ومن جملة شؤونه سبحانه إعطاء أهل السماوات والأرض ما يطلبونه منه على اختلاف حاجاتهم وتباين أغراضهم . قال المفسرون : من شأنه أنه يحيى ويميت ، ويرزق ويفقر ، ويعز ويذل ، ويمرض ويشفي ، ويعطي ويمنع ، ويغفر ويعاقب إلى غير ذلك مما لا يحصى . وقيل المراد باليوم المذكور هو يوم الدنيا ويوم الآخرة . قال ابن بحر : الدهر كله يومان : أحدهما مدة أيام الدنيا ، والآخر يوم القيامة . وقيل المراد كل يوم من أيام الدنيا ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن اختلاف شؤونه سبحانه في تدبير عباده نعمة لا يمكن جحدها ، ولا يتيسر لمكذب تكذيبها ( سنفرغ لكم أيه الثقلان ) هذا وعيد شديد من الله سبحانه للجن والإنس . قال الزجاج والكسائي وابن الأعرابي وأبو علي الفارسي : إن الفراغ ها هنا ليس هو الفراغ من شغل ، ولكن تأويله القصد : أي سنقصد لحسابكم . قال الواحدي حاكيا عن المفسرين : إن هذا تهديد منه سبحانه لعباده ، ومن هذا قول القائل لمن يريد تهديده : إذن أتفرغ لك أي أقصدك قصدك ، وفرغ يجئ بمعنى قصد ، وأنشد ابن الأنباري قول الشاعر : الآن وقد فرغت إلى نمير * فهذا حين كنت له عذابا * يريد وقد قصدت ، وأنشد النحاس قول الشاعر : فرغت إلى العبد المقيد في الحجل * أي قصدت وقيل : إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على المعصية ، ثم قال : سنفرغ لكم مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه ، وبه قال الحسن ومقاتل وابن زيد ، ويكون الكلام على طريق التمثيل . قرأ الجمهور " سنفرغ " بالنون